مائة يوم أولى في وزارة المالية

نتوقف كثيراً في مراحل مهمة في حياتنا، نفحص بها ما نمر به من تجارب وخبرات حتى نضمن نمونا وتطورنا فيما نواجهه من حالات وتحديات مستقبلية، وفي حياتي العملية توقفت كثيراً عند تجربة وزارة المالية التي أعادت تشكيل بعض المهارات لدي أو خلقت مهارات جديدة، فهذه التجربة تميزت كثيراً عن تجاربي السابقة لاحتوائها على مهام تحولية والعمل على مستوى تنفيذي عالي مع قيادات الوزارة. سأتحدث في هذه المدونة عن تجربتي في المائة يوم الأولى وأهميتها للقادة في مراحل الانتقالات القيادية وأهم الاستراتيجيات التي مررت بها.

إن المراحل الانتقالية تعتبر مراحل حاسمة في مشوار القائد والتي يسعى من خلالها على التأقلم السريع وتحقيق مكتسبات سريعة لتحقيق نجاح مهني، يقوم عادةً بإعداد خطة مائة يوم بهدف إحداث تغيرات وتحولات على عدة مستويات فهي حاسمة لنجاح القائد في تحقيق تطلعات وتوقعات المنظومة أو الفشل والذي عادةً ما يؤدي الى انتهاء مسيرة مهنية واعدة.

ما تميزت به هذه التجربة، ولأن ما سأقوم به وفريق العمل يتوافق بشكل كبير مع أهداف المنظومة، هو التعامل مع هذا الملف بتمكين وتنفيذ مباشران، فقد ارتبط عملي مع معالي المهندس أحمد الصويان عندما كان وكيلاً لشؤون التقنية والتطوير في الوزارة والذي مكن ودعم خطط الأعمال وفق الأهداف المرحلية للوزارة في تلك الفترة. كذلك، ارتبط عملي خلال نفس الفترة بالدكتور عبدالله النملة – مستشار معالي وزير المالية – كمرشد، قدم لي كثير من التوجيهات التي ساهمت بشكل كبير على إدارة تلك الفترة بشكل استثنائي من خلال استراتيجيات نوعية. وحول الإرشاد يقول سيمون (يجب ان يكون لك مرشداً، يجب أن تبحث عنهم) ويقول (عندما أتقدم إلى عمل يتم سؤالي عن ماذا أبحث؟ وجوابي الدائم: إني أبحث عن مرشد)

ونتيجة لذلك، خرجت بما يمكن أن أسمية بالمبادئ العشر في المائة يوم الأولى للقادة والتي تهدف إلى نجاح مراحل الانتقالات القيادية عند اضطلاع القائد بدور جديد أو الانتقال لمنظومة جديدة:

(*) تشير النجمة إلى استنتاج هذا المبدأ من الجلسات الاسترشادية مع الدكتور عبدالله النملة

المبدأ الأول: أعرف فريقك*

أجعل أهم أولوياتك عند إنضمامك لمنظومتك الجديدة بالبحث في معرفة فريق عملك الجديد (اعرف من معك على السفينة؟) ودراسة قدراته وكيف يمكن توجيهه في تحقيق الغايات المرسومة ومدى مناسبة الأدوار والمسؤوليات الحالية والمستقبلية. فمعرفة فريق العمل وتقييم قدراتة تسهم في تحديد نطاق ما يجب العمل علية في المائة يوم الأولى. وحول التعاطف مع فريق العمل يقول الدكتور عبدالله (إن زملاء العمل مثل الأبناء لا يمكن التخلي عنهم بل العمل على تغيير عاداتهم بعناية كتصفية كأس ماء غير صافي يتم بإضافة ماء صافي جديد حتى يصفى) كما أن القائد الحقيقي يسعى الى تطوير زملائه في العمل و رفع مهاراتهم.

المبدأ الثاني: أصنع غاية

صناعة الغاية لا تقل أهمية عن صناعة الفريق، بل إن الغاية هي الوقود الحقيقي في تعاضد الفريق لتحقيق مستهدفات المنظومة والقيادة الجديدة. لذا أعمل من اليوم الأول على صناعة هذه الغاية من خلال طرح الأسئلة العميقة والجريئة التي تقف خلف استقطابك لهذه المنظومة واجعلها أسئلة وجودية تسطيع من خلالها الحصول على أجوبة تصنع غايات كبرى(سألت سعادة وكيل شؤون التقنية والطوير اَنذاك في أولى جلسات خطة المائة يوم الأولى عن سبب وجودي هنا؟ فأجاب: للمساهمة في صنع نموذج تحولي جديد و مبتكر لعمل تقنية المعلومات في الوزارة!) ولا شك أن التواصل الفعال مع فريق العمل والمنظومة لتوضيح هذه الغاية والتغيرات التنظيمية يسهم في نجاحها وتحقيقها.

المبدأ الثالث: قدم نفسك

أطلب ترتيب لقاءات فردية ومباشرة مع قيادة المنظومة الجديدة، قدم نفسك بإختصار من خلال الحديث عن خبراتك العلمية والعملية و الأهم عن غاياتك وأهدافك التي ترغب في تحقيقها. أجعل جل الوقت للاستماع إلى توقعات القيادات من القطاع أو الإدارة التي تنتمي لها. ستجد أنك استطعت معرفة أهم ثلاث مبادرات يجب العمل على تنفيذها وأهم ثلاث تحديات او مشاكل يجب العمل على معالجتها خلال هذه الخطة.

المبدأ الرابع: أرسم مثلث علاقتك*

يهتم هذا المبدأ على رسم مثلث العلاقة للقائد الجديد، ابدأ في معرفة أضلاع هذا المثلث (رؤساء – مرؤوسين – أقران) وكيفة اسهام هذا المثلث في تحقيق غاياتك. نجاحك كالقائد يتم من خلال خلق الثقة والتعاون في جميع اضلاع المثلث. العلاقة مع المرؤوسين كونهم سبيل القائد في تحقيق أهدافه. العلاقة مع الأقران من خلال التعاون وبناء التحالفات الداعمة بهدف تحقيق الغايات المشتركة. العلاقة مع الرؤساء في موائمة الرؤية و الغايات العليا. أجعل أحد أهدافك أكتمال أضلاع هذا المثلث خلال خطتك للمائة يوم الأولى.

المبدأ الخامس: ساعة الجودة*

يجب ألا تخلو خطة المائة يوم الأولى ومرحلة ما بعد تلك الخطة من تخصيص ساعة الجودة مع رئيسك، هذه الساعة تكون إما يومية أو أسبوعية أو شهرية. يتم من خلالها عرض أهم التحديات والمخاطر التي تظهر خلال الخطة وما يستجد فيها من أعمال وإنجاز. تأتي هذه الساعة لتأكد على أهمية تحقيق الرؤى المشتركة وبناء الثقة مع الرئيس من خلال أجتماع مباشر وجهاً لوجه. أعمل على أن تكون مهامك جزء من جدول أعماله الأسبوعية والتي غالباً ما يتنافس عليها الأخرون لتحقيق غاياتهم كذلك، لذا بادر لتحديد ساعة الجودة مع رئيسك وقاتل من أجلها!

المبدأ السادس: اعتني بصناديقك السوداء*

عند انضمامك الى عملك الجديدة، عليك مواجهة الكثير من الصناديق السوداء، تتمثل هذه الصناديق بنماذج أعمال لمدخلات ومعالجة ومن ثم مخرجات تحقق غايات وأهداف للمنظومة. لذلك، غالباً ما يتطلب من القائد الجديد التحقق من كفاءة عمل هذه النماذج، لذا يقترح الدكتور عبدالله هنا أتباع أسلوب تحديد الأولويات من خلال تقييم الوقت المستغرق لفتح الصندوق و درجة التعقيد، الأهم وعند مواجهة أي صندوق خلال أعمال القائد اليومية يجب على القائد التوقف عند هذا الصندوق وفتحه والاطلاع على تفاصيله. فإما توقفاً طويلاً لمواضيع يجب معالجتها حالاً أو مراجعةً سريعةً والرجوع لها لاحقاً. كذلك، أحذر من تجاهل فتح الصندوق عند ظهورة لأول مره على طاولة النقاش، يجب أن تٌشعر فريق العمل بأهمية هذه الصناديق لك كقائد.

المبدأ السابع: نموذج الهليكوبتر*

ابقى عالياً وحافظ على بوصلة أتجاهك، فأنت قائد السفينة هنا، فالدخول في التفاصيل وإطالة الإشراف على الأعمال الجزئية يفقدك الإحساس بالإتجاه وبفقد المنظمة تحقيق غاياتها وأهدافها العليا، عليك بالموازنة بين الأدوار الاشرافية والأدوار القيادية فلكل منهما أسلوب العمل والأدوات المناسبة لها. ومن هنا يبرز دورك كقائد في تمكين فريق العمل وتفويضهم والايمان بقدرة الفريق على تحقيق النتائج والتركيز بشكل أكبر على المستوى القيادي وبشكل أقل على المستوى الإشرافي وخاصة في المائة يوم الأولى منذ إنضمامك . يقترح الدكتور عبدالله هنا أسلوب الهليكوبتر في التعاطي مع هذه المستويات، ويُقصد بها مهارات التعامل مع التنفيذيين في المنظومة والمرؤوسين بدون الاخلال بمستوى الوظيفة القيادي، ولنجاح ذلك يتبع القائد هذه لاستراتيجية لمساعدته على النزول لمستوى المنظومة الداخلية بشكل عامودي سريع لحل مشكلة طارئة والعودة لمستواه القيادي حتى لا يفقد بوصلة القيادة والاتجاه.

المبدأ الثامن: التحسين المستمر*

التحسين المستمر هو مبدأ فطري، لا يخلو أي تنظيم من وجود هذا المبدأ كحجر زاوية لضمان جودة أداء الخدمات والمنتجات المقدمة. ولهذا المبدأ دور جوهري في نجاح خطة مائة يوم أولى من خلال خلق مبادرات نوعية ذات طابع تحسيني مستمر تتوافق مع توقعات القيادة في المنظومة. يستحضر الدكتور عبدالله هنا نظرية القرود الخمسة، وكيف وضع مجموعة من العلماء خمسة قرود في قفص واحد وبمنتصفه وضعوا سلم وفوقه موزة وبقية القصة التي يمكن محاكاة نتائجها بالأعمال الروتينية المستمرة التي توارثتها الإدارات السابقة فقط لأجل الاستمرار في تحقيق نفس النتائج وفق نفس الفهم السابق بغض النظر حول ما اذا كانت تلك الأساليب او المنهجية المتبعة هي الأنسب. لذا أبحث كقائد عن تلك الأعمال الروتينية لتحقيق إما كفاءة تشغيلية، أو تقليل مصاريف، أو تحسين أداء، أو زيادة جودة وغيرها من الأهداف العامة التي تسعى المنظمات لتحقيقها.

المبدأ التاسع:  كن مبادراً

أعلم أيها القائد أن من أهم صفات القيادة هي المبادرة. لذا، تقديمك لعناصر المبادرة في خطتك للمائة يوم الأولى وأسهامك في تحقيق أهداف سريعة أو معالجة مشاكل قائمة يساعدك بشكل كبير على الكسب السريع للثقة وتقديم نفسك كالقائد وعضو مساهم في المنظومة. إذن أعمل على تحديد المبادرات التي تتوافق مع أهداف وأولويات المنظومة أو مشاكل مهمة يمكن معالجتها بشكل سريع وتسهم في كسب رضا القيادة العليا.

المبدأ العاشر: قياس أداء خطة المائة يوم

القاعدة العامة، ما يتم قياسه يتم إدارته، لذا اصنع مؤشراتك لقياس أداء الخطة ومبادراتها، وكيف يمكن لهذه الخطة التأثير المباشر على مؤشرات المنظومة. ابدأ في جمع وقياس القراءات المرحلية للمؤشرات التي تم تعريفها ويمكن قياسها وقارن هذه القراءات مع نتائج التقدم في أعمال الخطة. إن تحقيق نتائج قياس عالية في هذه المؤشرات يعني نجاح القائد والمنظومة في هذا المنعطف المهم والمرحلة الانتقالية للقائد الجديد.

إذن، و بالنظر إلى الانتقالات القيادية التي تحدث وتأثيرها الجوهري على المنظمات، يتضح أهمية وجود منهجية تتناسب مع الغايات المشتركة بين القائد الجديد والمنظومة وتخلق الأدوات المناسبة التي تسهم في تقليل المخاطر وتأسس اطر العمل المشترك على مستوى أبعد لمرحلة ما بعد المائة يوم الأولى.

دمتم بود،،،

12 رأي حول “مائة يوم أولى في وزارة المالية

  1. كلمات جدا ملهمة شكرا لك استاذ ماجد وسعيدة جدا بإن القدر جمعنا في هذة المنظومة الثرية بالاعمال والقيادات المميزين
    تمنياتي لك بالتوفيق وسعدت بمدونتك واتطلع الى تطبيق المبادئ العشرة.

    إعجاب

  2. انت الذكاء الاصطناعي في القياده الحديثه
    مقال جميل ورائع استاذي ماجد ..
    سُررت بالعمل معك في الايام الماضية 🙏🙏

    إعجاب

اترك رداً على محمد الغامدي إلغاء الرد