الإسلامية الرقمية

غالباً ما يتبادر إلى ذهني أفكار حول الإسلام في المستقبل، وشكل المجتمع المسلم في ذروة عصر التقدم التكنولوجي، هل سيتبنى المسلمين التكنولوجيا في حياتهم التعبدية؟ أم سيتعاملون بحذر حتى لا يدخلوا فيما تشابه منه! وهل يمكن لتكنولوجيا المستقبل أن تعزز إيمانهم وتقوي عقائدهم؟ وكيف يمكن للتطور التكنولوجي أن يؤثر على علاقة المسلم بالعبادات والتعاملات الإسلامية في حياته؟ هل يمكن لرجل الالة أن يكون خطيبا أو داعيا أو مفتيا أو قاضيا؟ أسئلة كثيرة، سأحاول من خلال الأسطر القادمة ولو بشكل مقتضب استشراق المستقبل التكنولوجي لبعض المناسك الإسلامية وعناصر حياة المجتمع المسلم.

يتسم الإسلام في عباداته وشعائره بالروحانية والسكينة، وقد عاصر البعض رد فعل القائمين على المساجد وبعض افراد المجتمع حيال نغمات الرنين للهواتف النقالة في وقت سابق، بل أن بعض المساجد استخدمت أجهزة لعزل الموجات اللاسلكية حتى لا تتداخل حياة المسجد مع الحياة الاجتماعية! وما نشاهده الان من انشغال المسلمين أثناء أداء شعيرة الطواف حول الكعبة المشرفة من استخدامهم لأجهزتهم الذكية ما هو إلا نتاج نقص الوعي للتطور التكنو اجتماعي الذي نعيشه اليوم.

أرتبط التحول التقني في الاسلام مع ظهور ساعة العصر عام 1406هـ 1986 م، لدعم ثاني أركان الإسلام ولتعين المسلمين على إدارة أوقاتهم الدينية في خضم الحياة المدنية السريعة، ولتحديد اتجاه القبلة لمعظم مدن العالم مع الاعتبارات المذهبية في تحديد أوقات الصلاة، بعد ذلك تطورت الساعة إلى لوح جداري يوضع في المساجد لتعين الإمام والمؤذن على إدارة أوقات الاذان والإقامة وزيادة كفاءة إدارة الوقت للمجتمع المسلم، أما الاَن فلا يخلو أي جهاز ذكي من التطبيقات المرتبطة بأداء ركن الصلاة.

في الزكاة، تبنت الدولة تطبيق زكاتي وهو بمثابة اول مبادرة حكومية رقمية تسهل دفع زكاة القادرين، وان كانت الجمعيات الخيرية تبنت سابقا أنظمة الكترونية لجمع الزكوات والصدقات للمستحقين. أما في الحج، فمكامن التحول الرقمي عالية جداً وقد يطول ذكرها هنا. أما عن التعاملات الإسلامية، فتقود وزارة العدل شارة القيادة في تبسيط وتسريع معاملات التقاضي والتعاقد والتحاكم التجارية منها والشخصية.

لنتخيل معاً هذا السيناريو المستقبلي للإسلامية الرقمية..

يحينُ وقت صلاة الفجر، تستيقظ بمنبه نظام منزلي رقمي يعتمد على بيانات أوقات نومك ودرجة عمق النوم، كما يقوم بتحديد الرنين المناسب وحدته.

يصلك تنبيه بقرب موعد الإقامة أو بدء الامام بالتكبير، تخرج بطمأنينة للمسجد وتحاول أن تتذكر ماذا قرأ الامام في صلاة الفجر يوم أمس، تسأل خالد (وهو مساعد شخصي رقمي) فيجيبك “سورة النازعات”.

تدخل المسجد فيهتز معصم في اليد تذكيراً بدعاء دخول المسجد، تكبر وتصلي وعند التسليم تحاول تذكر هل فاتتك الركعة الاولى ام لا، وتجد الجواب في عداد المعصم.

تسلم وتستغفر والمعصم يعد معك. تخرج من المسجد تنظر الى المعصم فتجد ان التزامك بأوقات الصلاة ٩٥ بالمائة فتبدي بعض الرضاء عن النفس وتزيد من الطمأنينة.

بعد حين، تقوم الزوجة بمراجعة تفاصيل قضيتها العمالية من خلال شاشة ضوئية حول حقوق عمالية قبل ان تطلب من أسماء (وهي مساعدة شخصية رقمية) بإرسالها الى القاضي الرقمي، دقائق وتصل نتائج المرافعة بالقبول، دقائق اخرى ويصل المبلغ المستحق.

تسأل الزوجة المساعدة الرقمية مرة أخرى عن حكم قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وتحصل الاجابة بعد ان شكت ان كانت قد قرأتها أم لا.

بعد عودتك من المسجد، يصلك تنبيه من النظام المنزلي حول التقرير الشهري لصلة الرحم (أحد أهم مخاطر التكنولوجيا في المستقبل هي العزلة الاجتماعية، حيث سيعتمد أفراد المجتمع على لقاءات الواقع الافتراضي) ليتم وضع خطة لزيارات قصيرة للأرحام.

يقوم المساعد الشخصي الرقمي بتحليل بيانات العبادات الشخصية وإرسال نصائح دينية حول أدائك التعبدي لفترة سابقة.

إذن، فنحن لسنا ببعيدين عن سباق الأديان نحو تحولات رقمية دينية، ولا أستبعد دخول أكبر الشركات التقنية في سباق الديانات الرقمية كمنتجات جذب لعملائها وتوسيع فرص التميز عن منافسيها. الذكاء الاصطناعي أرض خصبة كذلك لتحويل الآلة لأداة لخدمة الأديان أو محاربة أخرى، وما قيام فريق من المختصين التقنيين في الغرب بالبدء في بناء مشروع إله وثني رقميي يعبد (تعالى الله عن ذلك) يعتمد على ممكنات متطورة للذكاء الاصطناعي إلا دليل على السباق نحو هيمنة دينية في المستقبل.

فهل يختار المسلمون مواكبة التطور التكنولوجي في العبادات ومواجهة تأثيرها المستقبلي على الإسلام، أم المحافظة على روح العبادات من التلوث التكنولوجي القادم؟

5 رأي حول “الإسلامية الرقمية

  1. جميل جداً .. بارك الله فيك .. افكار تستحق التطبيق وخصوصاً فكره المعصم ، اعتقد ستكون وسيله جذب اكبر للاطفال والمراهقين في الذهاب للمسجد واداء الصلاة 👍🏼

    إعجاب

  2. أعتقد بالامكان تطبيق كل ما ذكرت بالتقنيات المتاحة الآن.

    منذ زمن طويل قبل زمن الهواتف الذكية وأنا أقول لماذا لا يكون الأذان مركزيا
    ويتم نقله بشكل متزامن للمساجد في المنطقة

    لكن يبدو أن العبادت كلما خلت منها التقنية
    كلما كانت أكثر روحانية

    إعجاب

  3. اغلب ما حصل ويحصل في السنوات القليلة الماضية هو تسخير المسلمين للتقنيات المتوفرة لخدمة المسلم … مثل تطوير التطبيقات على الهواتف الذكية… وهذا جيد جدا.

    ما نتطلع له الان ومستقبلا هو ان تكون الاحتياجات الدينية للمسلمين هي الدافع للابتكار … مثل توجه حكومتنا حاليا لتسخير عقول الشباب لتجاوز العقبات التنظيمية لمنسك الحج ( جائزة هاكاثون الحج)

    إعجاب

اترك رداً على ابوخالد إلغاء الرد