سعودي 3.7

Untitled-1

نعيش الاَن، نحن المجتمع السعودي في ظل الدولة السعودية الثالثة وحضن سابع ملوكها، هذا التسلسل التاريخي حدا بالمواطن السعودي على مر تلك العصور بالتشكل وفق قرارات الدولة وتوجهاتها مما أكسبه مرونة في التعامل مع كل متغير.

إن لكل قرار وتشريع وتوجه للدولة هو بمثابة نسخة جديدة في شكل هذا الإنسان السعودي

قد يرى المعاصر للمتغيرات خلال الحقبة السابقة ان المجتمع يتكيف مع المتغيرات وفقاً للظروف المحيطة، أي ان الجماعة والفرد في “المجتمع السعودي” يجتهدان لإيجاد صيغ تعايش مناسبة، وتأتي هنا المسؤولية الكبيرة لعلماء الاجتماع في دراسة علم الإنسان لمجتمعات الماضي والحاضر للمساعدة في فهم سلوك الفرد لتحقيق مجتمعات متناغمة.

ولمثل تلك الدراسات الاجتماعية أهمية في فهم واقع ما نعيشه اليوم لبعض الظواهر الاجتماعية التي تبرز وتلاحظ بجميع تفاصيلها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ولدعم التخصصات التي تعني بتفاعل الفرد وسلوكه، كالقوى العاملة والموارد البشرية والتسويق والتقنية.

كما أن اهتمام الدولة الحالي في تفعيل دور المرأة “بشكله الكامل” أتى في مرحلة متأخرة من النهضة التي تعيشها المملكة الآن، فلك ان تتخيل تأثير ذلك اجتماعيا على المرأة السعودية في الفضاء الاجتماعي السعودي.

كيف يمكن لرجل المريخ أن يتعامل مع المرأة الزهرة في مجالات الاعمال مثلاً لبناء فرق عمل متجانسة تحقق أهداف المنظمات التي يعملوا بها

وهذا ما لم تغفل عن المجتمعات الأخرى في دراسة سمات الأجيال المتلاحقة للمجتمع من خلال تعريفها ووصفها له وفقا للمتغيرات الداخلية والخارجية، النموذج “الأمريكي” كمثال، حيث بدأ علماء الاجتماع بدراسة علم الإنسان (الأنثروبولوجي) من العام 1900 ميلادي لجيل ولد في خلال الحرب العالمية الأولى وشارك في الثانية، وتم وصفهم بالجيل الذي حمى العالم وبنى الامة، دائم التفكير في تحسين المجتمع، ولائهم كبير للوظيفة، ويسمونهم بالجيل العظيم، كما كان أخر الأجيال التي تم تعريفها هو جيل الفا (Alpha) والذي تتراوح أعمارهم الان بين حديثي الولادة وحتى خمس سنوات.


ما يهمني هنا كمتخصص في الحقل التقني هو إيضاح تأثير التطورات السريعة للتكنولوجيا على المجتمع السعودي وتعامله مع تلك المتغيرات، ولفهم ذلك سأقوم بمحاكات النموذج “الأمريكي” الذي بنى تسلسله التاريخي من خلال دراسات قامت بتعريف كل مرحلة زمنية وفقاً للجيل الذي عاش بها، ابتداء من جيل الطفرة في المواليد وحتى جيل زي (Z).

*المقارنات التالية لا تعتبر دراسة ولكن استقراء ومحاولة لتوضيح أهمية علم الاجتماع في نجاح المجتمعات المتحضرة للتعاطي مع المتغيرات التكنولوجية

  1. جيل طفرة المواليد

يمثل هذا الجيل حسب الدراسة “الأمريكية” مواليد الأعوام من 1946م وحتى العام 1964م، أعمارهم الان ما بين 72-54 سنة، ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية، اجتماعيون، تربوا على يد أمهات من ربات البيوت، وهم أول من تابع التلفاز، بطبيعتهم متفائلون، استمتعوا بحياة ما بعد العمل، حيث مارسوا هواياتهم مما أمدت في معدل أعمارهم.

لمثل هذا الجيل من المجتمع السعودي، مواليده بدأت من عهد الملك عبد العزيز وحتى عهد الملك سعود رحمهما الله، وهي مراحل تأسيس وحروب لذا قد يمتاز هذا الجيل بالحزم والولاء، عاشوا طفولتهم في بيوت الطين والقرى الصغيرة قبل ان ينتقلوا الى المدن الكبيرة، عملوا في الجهات الحكومية، جيل اجتماعي بامتياز ويمكن تسميته بجيل الطفرة، وهو أكثر الأجيال التي استفادت من الطفرة التي مرت على المملكة مع ارتفاع في أسعار النفط
  1. جيل أكس

يمثل هذا الجيل حسب الدراسة “الأمريكية” مواليد الأعوام من 1965م وحتى العام 1980م، أعمارهم الان ما بين 53-38 سنة، اتجه هذا الجيل للأعمال الحرة ولا يميل للعمل في الجهات الحكومية والشركات الكبيرة، يهتم بتحسين جودة الحياة في الحي الذي يسكن فيه فقط دون غيره، ولا يحب الالتزام لذا يميل هذا الجيل الى التأخر بالزواج وينفصل عن شريك حياته بسرعة ولكنه متسامح. عاش في المرحلة الانتقالية بين المعرفة المكتوبة والمعرفة الرقمية ومعظمهم لم يدرس الكمبيوتر في التعليم.

لمثل هذا الجيل من المجتمع السعودي، مواليده بدأت من عهد الملك فيصل وحتى عهد الملك خالد رحمهما الله، ولدوا في ظروف اقتصادية ممتازة وخدمات حكومية عالية، وترعرعوا في زمن الصحوة، ويمكن تسميتهم بالجيل المنسي! حيث لم يستفيدوا من المحفزات الحكومية، وتأثروا من أزمات أسواق المال وبعضهم في عمر مبكر، كما يشعر هذا الجيل بضغوط تنافسية مع الأجيال الأخرى
  1. جيل واي – جيل الألفية

يمثل هذا الجيل حسب الدراسة “الأمريكية” مواليد الأعوام من 1981م وحتى العام 2000م، أعمارهم الان ما بين 37-18 سنة، يتميز هذا الجيل بالتفاؤل ويحترم السلطة ويجيدون إدارة أوقاتهم، يفضلون البيئة التقنية، لذا نراهم يحصلون على المعلومة من شبكة الانترنت فقط، يتمتعون بوجهات نظر قوية وحازمة. يفضلون العمل ضمن فريق، ودائما ما يسعى إلى الحصول على إجراءات سريعة وفورية، ويفضلون بيئة العمل المريحة والمحفزة.

لمثل هذا الجيل من المجتمع السعودي، مواليده بدأت من أواخر عهد الملك خالد وعهد الملك فهد رحمهما الله، عاصروا ظروف سياسية مضطربة، وترعرع وكبر هذا الجيل في زمن الانفتاح للعالم من خلال شبكة الانترنت والابتعاث، ويمكن تسميتهم بالجيل الحر! ويميل هذا الجيل الى الاعمال الحرة، ويهتم كثيرا بألعاب الفيديو ويقضون بها أوقات طويلة
  1. جيل زي

يمثل هذا الجيل حسب الدراسة “الأمريكية” مواليد الأعوام من 2001م وحتى العام 2013م، أعمارهم الان ما بين 17-5 سنة، معظمهم لديهم تلفاز في غرف نومهم وثلثهم لديه العاب الفيديو، لا يرى العالم مكان للعيش بدون الأجهزة الذكية، ويعتبر أول جيل يستغني عن الألعاب التقليدية، يصنفون كمستهلك ذكي ويعرفون ماذا يريدون وكيف يحصلون عليه، ولا يميلون للماركات العالمية.

لمثل هذا الجيل من المجتمع السعودي، مواليده بدأت من أواخر عهد الملك فهد وبداية عهد الملك عبدالله رحمهما الله، ولدوا في ظروف مستقرة وواكبوا التقنية منذ نعومة أظافرهم، يقلق هذا الجيل من الظروف السياسية نتيجة اتصاله الدائم بالإنترنت في وقت مبكر من عمره، كما يهتم هذا الجيل بالمحتوى المرئي، يمكن تسميتهم بجيل 2030 وستعتمد الدولة في تأهيل هذا الجيل لما بعد الرؤية

*نلاحظ من ذلك ان الجيل السعودي يتأخر بجيل واحد تقريبا عن الجيل الأمريكي من خلال تشابه الظروف والعوامل الداخلية والخارجية وتقل الفجوة مع التطور السريع للتكنولوجية والعولمة والاتصالات


لنعد قليلا الى الوراء لمحاولة فهم تأثير متغيرات التكنولوجيا على المجتمعات، بداية من عصر الحواسب الشخصية باعتبارها أول التقنيات التي شوشت “إيجابا” على المجتمعات في حياة البشرية ليصبح الانسان قادر على انجاز بعض المهام بشكل أسرع وأكثر كفاءة، ثم مررواً بعصر الانترنت عندما أصبح الوصول للمعلومات أكثر سهولة بل الوصول لمعلومات لم تكن قابلة للنشر من قبل، وحتى عصر الأجهزة الذكية وأصبح الفرد أكثر ارتباطا بالفرد من خلال سهولة التفاعل والمشاركة.

سأنقل لكم بعض مشاهداتي من الواقع السعودي حول بعض من المتغيرات التكنولوجية المختارة لفهم تأثير المتغيرات على واقع المجتمعات المعاصرة مستنداً على ما تم اقتراحه أعلاه من محاولة لتعريف أجيال المجتمع السعودي
  1. الهاتف المتنقل

مع تطور الاتصالات أصبح الجميع في مجتمعنا السعودي يقتني الهاتف المتنقل صغيرنا وكبيرنا وأصبحت هذه الهواتف أكبر اهتماماتنا حيث بدأ ذلك في عام 1996م تقريبا، وأصبح التواصل في أي وقت ومن أي مكان وبكل سهولة، وبما أن لكل مجتمع أدبيات في التواصل من حيث الوقت فإن المجتمع أصبح أمام وسيلة تساعد الاخرين على كسر قواعد محددة اعتاد المجتمع على احترامها، بل وأصبح البعض يستخدم هاتفه النقال بدلاً من طرق باب المنزل، كما بدأت المساجد بوضع الضوابط حول تنبيهات الهاتف أثناء الصلاة، ومنذ ذلك الوقت أصبح التواصل بالهاتف المتنقل بمثابة تواصل اجتماعي معتمد بعد ان كان اللقاء في منزل هو المألوف.

ومع تطور الأجهزة النقالة أصبح من السهل الحصول على هاتف نقال بكاميرا مدمجة والذي أحدث ضجة كبيرة نتيجة الاستخدام الخاطئ له، وسرعان ما استوعب المجتمع فوائد ذلك، وأكثر الأجيال المتأثرة لهذه الحقبة وفقا لتعريفنا السابق هو جيل الطفرة (جيل طفرة المواليد) والجيل المنسي (جيل أكس).

  1. شبكة الانترنت

عند دخول شبكات الانترنت في المملكة بشكل رسمي وبقرار من مجلس الوزراء عام 1997م، كان الشائع في الاستخدام في ذلك الوقت هي منصات المحادثات الفورية، وكعوالم افتراضية كان المستخدمون يستعيرون عن أسمائهم بألقاب تحكي واقع المجتمعات التي عاشوا بها، وأكثر الأجيال التي تأثر بهذه الفترة هو الجيل المنسي (جيل أكس).

وفي عام 2006 تقريبا دخلنا في مرحلة جديدة من عوالم الانترنت وهي منصات الشبكات الاجتماعية وكان أشهرها منصة فيسبوك، والتي لم يُستجب لها سريعا بسبب أن فيسبوك شبكة اجتماعية لهويات حقيقية وليست عوالم افتراضية، كان الوقت فقط كفيل ليستوعب المجتمع (الجيل المنسي) حقيقة ذلك وبدأ في تسجيل الأسماء الحقيقية بل وأصبح بعضهم يشارك الاخرين بصورهم الخاصة وهذا تطور كبير في عرف المجتمع السعودي وانفتاحه نحو المشاركة في المنصات التواصل، حيث عرف عن المجتمع السعودي بشكله العام انغلاقه نحو المجتمعات الأخرى، ونستثنى الأجيال التي نشأت في عصر التقنية كالجيل الحر (جيل الألفية).

  1. الهواتف الذكية

بعد إعلان أبل عن جهازها أي فون عام 2007م، بدأ المجتمع السعودي باقتناء الجهاز واستخدام تطبيقاته (من خلال الجيل الحر أو جيل الألفية) وبات جاهزاً لمواكبة هذه الموجة عندما أصبح البعد المكاني عامل الجذب لهذا التغير التكنولوجي وأصبح الفرد متصل أكثر من أي قت مضى.

مع التطور المستمر لأنظمة الهواتف الذكية بدأت الأجيال الأخرى باقتناء تلك الأجهزة واستولى على اهتمامهم تطبيقات عدة كان أكثرها استخداماً تطبيق المحادثات الفورية (واتس اب)، واختلفت ثقافات التعامل مع هذا التطبيق من جيل إلى جيل، ولجيل الطفرة تعامله الخاص حيث تعامل مع المحتوى الاخباري مثلاً كما لو انها عرضت في التلفاز ومن خلال قناة “حكومية” (وهو ما اعتاد علية هذا الجيل كوسيلة معتمدة لنقل الاخبار) بنسبة تصديق عالية جدا، وهذا يغري باستخدام هذه المنصة كوسيلة لنقل المحتوى الزائف، ولكن يحسب لهذا الجيل مواكبته للتطور التكنولوجي في عمر متأخر ليثبت أن الإنسان السعودي قادر على مواكبة الجديد.

 


المجتمعات في العالم مقبلة على متغيرات تكنولوجية كبيرة أصبحت تتقدم بوتيرة أسرع من ذي قبل، ولا زلنا نفتقد حتى الان إلى استشعار أهمية علم الإنسان (حجر الزاوية) في مساعي الدولة لبناء المجتمعات المتحضرة، للتعامل مع الصدمات التي ستحدثها هذه الطفرات في جميع نشاطات الفرد اليومية، حيث ستتشكل مفاهيم جديدة في التواصل والتفاعل والبيانات والمشاركة (اقتصادي، اجتماعي، معرفي)، حتى ان مفهوم الخصوصية أختلف من جيل الى جيل إلى أن تصبح الأجيال أكثر انفتاحا للمشاركة بتفاصيل حياتها اليومية كون العالم سيتحول الى فضاء أكثر مشاركة، سيساعدنا ذلك على النهوض بجيل جديد يتواكب مع المتغيرات المستقبلية الحتمية وخاصة ان المرحلة الحالية منفتحة جدا لذلك للنهوض بالمجتمع السعودي الى إصدارات أفضل.

4 رأي حول “سعودي 3.7

  1. صباح الخير ابو ريان..
    شدني كثيرا قراءة تطور الحالة الاجتماعية ومدى التغير الحاصل من جيل الى جيل بناء على ظروف اقتصادية وسياسية معينة.. واعتقد ان هالمجال لم يدرس بشكل كاف.
    اللي نلاحظة هو قراءة الحالة الاجتماعية من منظور واحد فقط وهو الصحوة قبل وبعد وكأنها هي المحور الوحيد في قيادة توجه المجتمع وهذا من وجهة نظري تدفعه رغبات شخصية او ركوب موجة سياسية معينة..
    لكن السؤال اللي تبادر لذهني بعد قراءة مقالك، هل التقنية هي قائدة التحول الاجتماعي ام هي اداءة فقط وتظل الرغبة السياسية هي الموجه الرئيس؟!
    في رأيي ان التغير الكبير في سعودي ٣.٧ جاء بقفزة على التطور الطبيعي والمتدرج في كل مجتمع بشري واتخذ اسلوب الصدمة التي وضعت المجتمع في حالة جديدة، هل سيكون لذلك اثار ايجابية ام سلبية الله أعلم وهنا كما تفضلت يكون دور علماء الاجتماع في دراست الظاهرة واثارها في (جو حيادي)
    عموما مقالك بدون مجاملة تطرق لموضوع مهم، انا شخصيا اهتميت فيه وقرأت عنه، اتمنى ان تعمق النظر فيه اكثر وتثرينا بمقال يثير فضولنا اكثر واكثر..

    اسف على الاطالة..
    تحياتي..

    Liked by 1 person

  2. تحليل جميل للأجيال
    فيه ملاحظة بسيطة ربما وهي أننا أصبحنا ندور المحتوى القصير وقلت قدرتنا على الصبر للقراءة الطويلة أو حتى مشاهدة المقاطع الطويلة حتى أن التلفزيون أصبح ما احد يفتحه لأسابيع بعدما كان 24 ساعة

    إعجاب

  3. جميل جداً..
    السرد والتسلسل التاريخي وربطه بالاحداث التي عايشناها جعلني استذكر الاشخاص والاماكن والاحداث واتخيلهم بين كل سطر.

    يعطيك العافيه

    إعجاب

اترك رداً على عبدالعزيز إلغاء الرد